الدين والحياةدين ودنيا

أين هو السليمُ المُعافى ؟

كتب: د. وائل الزرد داعية إسلامي

حين ننظر إلى واقع الناس، قلَّ أن تجد إنسانًا بلا همٍّ أو شكوى، ومع إمعان النظر في الخلق أكاد أن أجزم بعدم وجود شخصٍ معافىً، وهذا شيءٌ طبيعي، فالله -سبحانه- من بداية الخلق أبان لنا أن الدنيا دار مشقة وتعب وكدٍّ، فقال لأبينا آدم (فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ) وقال من بعد آدم لكل بني الإنسان  (يٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ ) .

د. وائل الزرد

لكل منَّا نصيبه من الشقاء والهموم، يرى الناس منك كل ظاهر جميل، فيحسدونك أحيانًا على رتابة ثيابك، وجميل رائحتك، وحلاوة ابتسامتك، ويأتي أحدُهم يشكو لك همَّا ويريد حلًا، وهو لا يدري -ربما- أنك مهموم بمثل ما يقول أو أشد، غير أنك توطن نفسك على الصبر، وتلزم نفسك الرضى.

ووالله، أحلفُ به غيرَ حانثٍ أنني ما قابلت رجلًا ممن أعرف، عٌوفي من همٍّ إلا وأصابه غيرُه، وما سلِم من  مصيبةٍ ألا وتناوشته غيرُها، وما برِأ من شِقوةٍ إلا وهو يشكو من مثيلتها، فمن منَّا السليمُ المُعافى؟

وهؤلاء الأنبياء -عليهم السلام- ما سلم من البلاء منهم أحد، حتى جاء في الحديث، قال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً ؟ قال : “الأنبياءُ ، ثم الصالحون ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ ، يُبتلى الرجلُ على حسبِ دِينِه ، فإن كان في دِينِه صلابةٌ ، زِيدَ في بلائِه ، وإن كان في دِينِه رِقَّةٌ ، خُفِّفَ عنه ولا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ حتى يمشي على الأرضِ وليس عليه خطيئةٌ” رواه الإمام أحمد وهو صحيح

حتى من نراهم منعمين من أهل الدنيا، ممن لا علاقة لهم بالآخرة -حسبما نظن-، نرى النعم تحيط بهم من كل جانب، والآلاء تحوم حول رؤوسهم وبسهولة يلتقطونها، ومع ذلك لم يسلموا من مصيبة أو غم أو حسدٍ أو منافسٍ، ذلك لأن الدنيا هكذا.

                       جُبِلَت علَى كَدرٍ وأنتَ تُرِيدُها   …  صفوًا منَ الأقذَارٍ والأكدَار

ولا يبقى لنا أمام عواصف الفتن، ورياح المحن، إلا الاعتصام بالدعاء، ودوام الاستغاثة بالله، أن يُسبل علينا سترَ العافية، فإنه ما أُعطيَ عبدٌ – بعد الهداية – من العافية، ففي سنن الإمام الترمذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سَلوا اللهَ العفوَ والعافيةَ ، فإنَّ أحدًا لم يُعطَ بعد اليقينِ خيرًا من العافيةِ.

فاللهم إنا نسألك العفوَ والعافيةَ، والمعافاةَ الدائمةَ في الدين، والدنيا، والآخرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى