مجتمع وناس

ازدواجية الفيمنست وتشويه القيم

بقلم: نهال صلاح الجعيدي


منذ أن فَعل موقع التواصل الشهير فيس بوك Facebook خاصية الريلز reels، ونحن نرى فيديوهات بشكل يومي توثق مدى تشوه القيم الأخلاقية والحضارية لمجتمعاتنا العربية، ومدى اختراق ثقافة التغريب لعقول الأطفال والشباب والنساء والشيوخ في مجتمعاتنا، والذي أدى إلى تراجع واضمحلال موروثاتنا الثقافية.


لقد راعني بعض المشاهد من تحرش الفتيات بشكل علني واضح وفاضح بالشباب، في صورة لا تتناسب من مجتمعاتنا، وعاداتنا، والفطرة السوية، وسمو قيمة المرأة والحفاظ على كرامتها، ومشاهد أخرى لرجال ومنهم من هو في عمر الكهولة والنضج يتفاخر ويستعرض بالرقص في المناسبات أمام الجموع بشكل مبتذل ينم عن تراجع مقاييس الرجولة، وكذلك انتشار مقاطع الأحضان والقبلات والعناق بين الجنسين بذريعة الصداقة والانفتاح والزمالة، وترويج المحتوى التافه لإشغال المجتمعات وتشتيت وجهتها عن قضاياها المحورية والأساسية و التعاطف مع العنف والقتل وإيجاد الذرائع والتبريرات كالحب وغيرها.


إن الغرب كلما وقع في شر نتج عنه تراجع في مجال من المجالات، قرر ضرورة جر البشرية إلى المستنقع الذي سقط فيه، فعندما انهارت منظومة الأسرة لديه، عَمد إلى تفكيك الأسرة في المجتمعات العربية من خلال دعوات الحرية غير المنضبطة بحدود الشرع والأخلاق (الإباحية)، أو من خلال اسقاط النماذج والقدوات، أو تغييب دور الأسرة بإشغال كل فرد فيها بقضاياه الخاصة، وعزله عن محيطه الاجتماعي، وتعزيز النزعة المادية الفردية.


لقد اتبع الغرب استراتيجية التفرقة (فرق تسد)، ووضع لكل شريحة من شرائح المجتمع مجموعة من الأنماط الفكرية التي تعزز شعورها بالمظلومية التي يمارسها المجتمع بحقها، وذلك لضرب أواصر العلاقة والارتباط بين هذه الشريحة ومجتمعها، وكان الاستهداف للنساء النموذج الأوضح لهذه الاستراتيجية، من خلال التركيز على أي قضية فيها انتهاك أو انتقاص لحق من حقوقها، وأخذها ذريعة لهجاء المجتمع العربي الذين يصفونه بالذكوري، ويتم ربط أي سلوك على اعتبار الجنس بالدرجة الأولى، في حين تصمت وتغض الطرف عن الكثير من التجاوزات بحق فئات أخرى بالمجتمع.
فمثلا لو عدنا للمشاهد التي تحدثنا عنها سابقا وهي تحرش الفتيات بالشباب، هل ستقوم الجماعات النسوية “الفيمنست” بمهاجمة هذا السلوك الخاطئ، وغير الأخلاقي بمهنية وبدون ازدواجية في المعايير كما تفعل في التهويل من قضايا التحرش الجنسي بالنساء والفتيات، وهل ستطالب يتنفيذ أقصى العقوبة على النساء اللاتي يمارسن العنف الجسدي واللفظي وقد تصل لدرجة القتل للآخر سواء رجل أو امرأة، وهو ما يُخطئ معيار ربط أي سلوك سيئ بالجنس.
إن أهم ما يجب التركيز عليه الآن هو ابراز الخلل في المنظومة الغربية، وتعرية النتائج الكارثية التي وصلوا اليها نتيجة لغياب منظومة القيم الأخلاقية السوية، فالأصل أن هذه المنظومة الأخلاقية فطرية، وهى موحدة وثابتة لكل المجتمعات، وبالتالي فإن الخلل الذي يصيبها يجب اخضاعه للدراسة لإيجاد الخطة العلاجية المناسبة لضمان عدم انهيار المجتمعات وانحدارها، لا تعميمها وتسويقها، من خلال التقليد الأعمى، والانخداع بالمصطلحات التجديدية التي يتم اطلاقها لتغطية الأهداف الحقيقية لذلك.


كما علينا ضرورة تفعيل خطابنا الحضاري الذاتي إلى جميع شرائح المجتمع العربي والتأكيد على سلامة مسار النموذج المعرفي العربي، وأن هذا النموذج قد أثبت نجاعته في كل المراحل التاريخية التي تمسكت فيها مجتمعاتنا بقيمها وأخلاقها، وأن ما نشهده اليوم من تبعية ووهن نتيجة لما سبق من استسلام للغرب في تحديد خطابنا، وتوجيه لإعلامنا، وترتيب لأولوياتنا، وتطبيق تجاربه ومبادئه الفاشلة علينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى