فلسطينيات

سقوط سلطة رام الله والجيل الفلسطيني الجديد

بقلم الأسير الكاتب: إسلام حامد

مؤخرًا صعد على السطح ما كان مخفيًا في تفاعلٍ صامت لسنوات مضت حول المتابعات الحثيثة السّرية والقرارات الأمنية الدائمة، التي لا تنقطع لمُركبات العقل الفلسطيني وتحديدًا الشابّ منه، ومؤثرات الوعي الجمعي التي يتم تداولها بين الأجيال الفلسطينية المتعاقبة ضمن المساعي الأمنية الاستعمارية الصهيونية في الحرب المفتوحة ضد كل ما هو فلسطيني مقاوم.

الأسير اسلام حامد

يأتي هذا استباقًا للأحداث التي تقع بين الحين والآخر كالهبات الجماهيرية، والانتفاضات الشعبية وفعاليات المقاومة الشاملة، المتابعات الأكثر أهمية تكمن في معرفة المزاج العام للشباب الفلسطيني ومنه الرغبات والتوجهات والأحلام، وحتى التمنيات لمعرفة السبل والوسائل التي يمكن من خلالها السيطرة على هذا الجيل؛ لينتج مما سبق تقييم وتقدير موقف ذات طابع أمني يتم توجيهه إلى مختصين اجتماعيين ونفسانيين لصياغة تقدير شامل الذي يخدم المشروع الاستعماري الهادف إلى تثبيت أركانه في الأرض الفلسطينية، واستعباد الشعب الفلسطيني وجعله على الدوام خاضعًا لسلطة القهر الاستعماري.

جزء كبير من العملية المركبة السابقة يعتمد الكيان الصهيوني عليه في صنع خطابه الاستعماري الموجه للجمهور الفلسطيني، فيعمل على إعادة هندسة وعي الفلسطينيين باستمرار بما يتناسب مع الأهداف المرسومة، “كالترويج للرفاه والسلام الاقتصادي والتعايش السلمي مع اليهود” كمركب لا يمكن إلغاؤه ومستوى معيشي متقدم كل ذلك على حساب الهدف المصيري للشعب الفلسطيني الكامن في مقاومة الاحتلال الاستعماري الصهيوني وإخراجه من الأرض المقدسة.

وتعتبر “سلطة رام الله” بمركبتها الأمنية والسياسية “الرديف والأداة الوظيفية ليد الاستعمار الصهيوني” الذي من خلالها يتم تقديم الخطاب الاستعماري السابق للجمهور الفلسطيني وتحديدًا في الضفة الفلسطينية كونها مناطق امتداد لها دون قطاع غزة الذي يملك خطاب وفعل المقاومة على الدوام، كمظلة فصائل المقاومة الإسلامية والوطنية، وعليه تعمل “سلطة رام الله” بكل جهد وحيلة من خلال أدواتها الإعلامية وهيئاتها التوجيهية العمومية بالتزامن مع ذلك منع أي صوت معارض يدعو للمقاومة والتحرر الحقيقي من الاحتلال الصهيوني من خلال استخدام وسائل قمعية كالاعتقال السياسي والترهيب والابتزاز وغيرها في سبيل تحقيق الخطاب الاستعماري الذي تؤمن به “سلطة رام الله” الوظيفية.

وفي المقابل يعتقد المقّدر الأمني الصهيوني أن ضعف “سلطة رام الله” كأداة بارزة ضمن المشروع الاستعماري التصفوي للقضية الفلسطينية يؤدي بشكل مباشر  إلى تكاثر وازدياد متسارع للمجموعات المسلحة المقاومة بصورة جديدة أكثر قوة وثورية وروح قتالية عالية.

مؤخرًا تصاعد الحديث من قبل مسؤولي أجهزة أمن الكيان وكان آخرهم الجنرال “أهارون هاليفا” رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية -أمان- حول الفعاليات التي يقوم بها الكيان الصهيوني من أجل تثبيت أركان “سلطة رام الله” والمحافظة عليها باعتبار دورها الوظيفي الذي يمثل ركنًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمنية الشاملة للكيان الصهيوني الذي يقود إلى استقرار وضمان أمن العمق الاستراتيجي للكيان الصهيوني، مع الأخذ بالاعتبار أن مصلحة السلطة في رام الله هو عدم وجود قوة عسكرية منافسة في نطاقها الجغرافي لا تدين به ولا بالسلطة كون الاعتقاد هنا أن تلك القوى ستوجه سلاحها في لحظة ضعف هذه السلطة لتعمل بذلك على إنهائها أو تطويقها كما حصل في “الحسم العسكري” عام (2007) في غزة، حيث تم تغيير المنظومة بالكامل وتحول القطاع إلى نقطة ارتكاز  متقدمة في مشروع المقاومة الرافض لوجود الكيان الصهيوني، لذلك زعزعت استقرار سلطة رام الله يخدم منافسيها من مجموعات مسلحة وفصائل مقاومة ليؤدي بالحتم إلى ارتدادات أمنية صعبة على الكيان الصهيوني.

ويقول رئيس (أمان) أن الجيش لا يريد تنفيذ عمليات اعتقال لعشرات الفلسطينيين كل ليلة، بل يقوم بما هو صحيح من أجل استقرار  وضع السلطة وإعادة سيطرتها على المناطق التابعة لها بما يحقق الأمن للكيان الصهيوني في نهاية الأمر، ويؤكد أن الحدث الذي يجب أن يتم الإعداد له جيدًا هو كيفية قدرة الكيان الصهيوني للمستقبل الذي لا يكون فيه -أبو مازن رئيس السلطة- موجود والصراع على استخلافه لأهمية دوره الوظيفي بالنسبة للكيان قبل أي شيء آخر.

بشكل ما، المشهد السابق يقدم صورة مصغرة لمن يعتقد أنه يدير الأحداث ويسيطر عليها، لكن حقيقة الأمر هو وجود مركب مركزي في معادلة الصراع الحالي، ويخضع لسلطة الاحتلال أو لسلطة رام الله، هذا المركب يمثله الجيل الفلسطيني الشاب المقاوم الخاضع للروح الثورية وفطرة القتال المتجذرة في وجدان كل فلسطيني أصيل، الجيل الذي يذكر الجميع بأن فلسطين ترفض الاستسلام ورفع الراية البيضاء، فهو أكثر جرأة وإقدام ويتطلع للمواجهة والقتال في كل فرصة ممكنة، ويرفض الخضوع للتهديدات ويأخذ المواجهة باعتبارها مسألة شخصية جدًا، وعلى عاتقه الانتقام من كل ما هو تابع للاحتلال الصهيوني، والأكثر غرابة أنهم ينشرون مقاطع مصورة لفعالياتهم العسكرية دون أي اهتمام لما قد يلحق بهم من ضرر على يد سلطة الاحتلال، هذا الفعل يساهم في تجذير صناعة الرمزية للمقاتل الفلسطيني المتمرد على الجميع؛ الرمزية التي تم سحقها على مدار السنوات الماضية إثر سيطرة “سلطة رام الله” على السياقات المختلفة في الضفة الفلسطينية .

جيل (2023) كما تم وصفه صهيونيًا كانت بداية ظهوره المتميز في “منطقة جنين” وبالأخص مخيمها لتنتقل فكرة المجموعات العقائدية ذات التشكيل المحلي إلى البلدة القديمة في نابلس والقرى المحيطة بالمدينة، كما أنها انتقلت بوتيرة مختلفة إلى منطقة “سلواد” في الشمال الشرقي من مدينة رام الله، حيث تم استهداف قوات الجيش والمستوطنين في المنطقة لأكثر من مرة في الشهرين الماضيين، هذه التجمعات الشبابية المقاتلة التي لا يسيطر عليها أحد أو يقوم بتوجيهها حتى الآن فرضت معادلتها المختلفة والمتبدلة على الجميع، بحيث عجزت القوات الأمنية الصهيونية وحليفتها “سلطة رام الله” على مواجهتها وإنهائها أو السيطرة عليها لتكون هذه المجموعات المسيطرة في مناطق تواجدها على الموقع الجغرافي والسكاني معًا أكثر مما تسيطر أجهزة أمن رام الله، مما يؤدي ويقود إلى الإضرار بالأهداف التصفوية التي عملت عليها “سلطة رام الله” لسنوات طويلة وبدعم من الكيان الصهيوني لها؛ مما يؤدي إلى زعزعة أمن الكيان الصهيوني في كل المواقع والجبهات .

النموذج البارز لهذا الجيل هو الشهيد (إبراهيم النابلسي) الذي تحول إلى نجم الشبكة العنكبوتية مؤثرًا بذلك على طبقة غير محدودة من الشباب الفلسطيني ليشكل النموذج الذي يمكن الاقتداء به، وفي نفس المشهد خلال عملية للجيش الصهيوني في بلدة “قباطية” جنوب مدينة جنين تم محاصرة أحد المطلوبين الذي اشتبك مع قوات الجيش، المفاجئ في الحدث هو قيام صديق المطلوب والمتواجد معه داخل المنزل المحاصر  بتصوير الاشتباك ونشر المقاطع على الشبكة ليقدم نموذجًا جديدًا ضمن سلسلة يبدو أنها لم تتوقف خلال المدى المنظور ، من الفعاليات العسكرية المقاومة مما يشجع آخرين على القيام بالمثل، كل مقطع مصور كهذا يؤدي إلى إعادة صياغة الرأي العام وتحديدًا مدى الشباب الفلسطيني ضمن مفاهيم المقاومة والفداء لتحرير فلسطين.

دور الجيل الجديد الذي لا ينتمي لفصيل محدد ويؤمن بفلسطين بشكل مجرد أنه صنع اشتباكه الخاص وثقافته المميزة ومقاومته الجديدة التي لم تكن ضمن السياق المقاوم السابق، ومع أن الحضور التنظيمي للفصائل الفلسطينية غير واضح وليس جزءاً من اعتبارات الجيل الجديد بشكل أساسي كون الحضور المقاوم عندهم مانع من ثقافة المقاومة والوعي العام المتضمن لسياقات المواجهة والتحرر من الاحتلال الصهيوني إلا أنه لا يمكن إبعاد حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها “حماس” من المشهد لعدة اعتبارات أبرزها:

 أولاً: محاولتها الدؤوبة في إعادة إحياء وبعث المقاومة في الضفة الفلسطينية بكل السبل والوسائل، ودعم كل الجهود المبذولة في سبيل تحقيق ذلك لم تنقطع يومًا.

ثانيًا: التحريض الإعلامي المتواصل التي تقدمه وتدعمه حماس عبر وسائلها الإعلامية المتنوعة. ثالثاً: حضور   روح   الانتصار المتحقق في معركة “سيف القدس” البطولية التي شكلت إعادة صياغة للوعي الجمعي الفلسطيني من جديد نحو المقاومة بشكل أساسي ورفض كل المشاريع التصفوية.

في الختام المواجهة العنيفة والمتصاعدة في الضفة الفلسطينية بالشكل الجديد الذي لم تعهده المؤسسة الأمنية الصهيونية من قبل وحليفتها سلطة رام الله أصبحت خارج سيطرة الجميع وعليه حلم الكيان الصهيوني بأن يصبح احتلاله للضفة الفلسطينية عبر “سلطة رام الله” بالشكل المجاني مع أوضاع اقتصادية جيدة للفلسطينيين هناك يمكن اعتباره أحلام وردية فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى