كتاب الثريامدونات الثريا

كُن كالنملة!!


بقلم/ أيمن تيسير دلول

حينما كان سيدنا سليمان عليه السلام في جولةٍ هو وجنوده وقد علَّمه الله منطق الطير والحيوان، تنامى إلى سمعه هتاف نملةٍ صغيرة في قومها تدعوهم لأن يأخذوا حذرهم ويدخلوا مساكنهم وبيوتهم؛ حتى لا تدوسهم أقدامُ سيدنا سليمان وجنوده.


في حكاية تلك النملة الكثير من الدروس والعبر التي يحتاجها البشر خاصةً في زماننا هذا الذي طغت عليه المصلحية والأنا، وليس عيبًا اقتناص الحكمة حتى وإن كانت من نملة، فتلك النملة امتلكت مهارة منقطعة النظير لأن تكون قدوة يُحتذى بها من قومها، البداية كانت من حرصها على بني عمومتها وأهلها وأبناء شعبها فحافظت على أمنهم وكانت ترصد تحركات أي غريب يقترب من مدينتهم ويهدد أمنهم وحياتهم.


بمجرد إدراك النملة أن الخطر داهم، نادت بأعلى صوتها “يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ”، وهي رسالة تحذيرٍ عاجلة واضحة وغير مبهمة، وكان سبب تحذيرها واضحًا كذلك “لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ”!!
في قراءة الدرس والاستفادة من تصرف النملة، من أراد أو ارتضى لأن يكون قدوة بين الناس، فهو الذي ينبغي أن يتصدر المشهد في مواجهة المخاطر حينما تقع وتجاوزه للمخاطر يبني له جسرًا لجني المغانم والمكاسب وليس العكس، وهذه المعادلة هي ما تجعل كلمة القدوة مسموعة بين قومه وفي مجتمعه، فإن كانت تصرفاته وأفعاله نابعة من الحرص على شعبه وقومه وعدم انتظار الآخرين ليقوموا بما يجب أن يقوم به، كان ذلك “القدوة” كبيرًا في عيون الناس ولقراره استجابة بينهم، بل إن مصطلح “القدوة” يتكرر لدى الكثيرين من العلماء والمتخصصين والخبراء، فأنتَ تجد أن التعليم بالقدوة يركز عليه التربويين، والاستجابة بالقدوة أسلوب يلجأ إليه العسكريين وهكذا في باقي المجالات.


في صلح الحديبية كان القرار بعودة المسلمين إلى المدينة المنورة دون أداء شعيرة الحج في عامهم ذاك، نتيجة الاتفاق الذي تم توقيعه بين قريش والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، عرف المسلمون بنود الاتفاق فشعروا بالقهر بعدما أدركوا أن الاتفاق أجحف حقوقهم، وهو تصرف وإن كان بالشعور الوجداني من قبل الصحابة رضي الله عنه، لكنه شعور دفع بالضيق والهم إلى قلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم نتيجة موقف الصحابة.


استشار النبي صلى الله عليه وسلم زوجته أم سلمة بخصوص مسألة في ظاهرها أظهرت تشتتًا في صف المسلمين وجفاء بين الجند والقيادة، فقالت له: يا رسول الله انحر هديك واحلق رأسك وإذا رآك الناس فعلت ذلك فعلوا ذلك، ففعل ﷺ، تصرف عملًا برأيها فخرج إلى الناس ونحر الهدي وحلق رأسه، فما إن تقدم النبي القائد الجنود وتصرف وقام بالفعل حتى فعلوا جميعًا لتثبت الواقعة أن تصرف القائد له بالغ الأثر على الجند أكثر كثيرا من كل خطابات الكلام، وهذا ما يدعو له الكثير من التربويين لنماذج القدوات في غرس القيم والمبادئ داخل ذهن جنودهم وعناصرهم.


أخيرًا، فكل تصرفٍ نقوم به كقدوات في مجتمعنا أو بين قومنا محسوب، وصولًا لأن تكون أفعالنا عظيمة بعظم تلك النملة وليست صغيرة بحجمها.


وفي زمن التطور في وسائل الإعلام فقد باتت كل حركة أو سكنة للقدوات تراها عيون العامة وترصدها جيدا، الأمر الذي يدعو كل قائد وصاحب أثر في مجتمع من المجتمعات لأن يقرأ تصرفه جيدا قبل تسجيله وتناقله من العامة وجعله مادة للسخرية والاستهزاء، فتصرفات القدوات إما أن تهدم قادة أو ترفع آخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى