دين ودنيا

قرار القيادة واقتناع القاعدة

كتب الدكتور: وائل الزرد داعية إسلامي

تعلمنا من السيرة النبوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستشير أصحابه في كثير من الأمور، الخاصة والعامة، استجابةً لأمر الله {وشَاوِرهُم فِي الأمْرِ} وتحقيقًا لوصف المؤمنين {وأمرُهُم شُورَى بَينَهُم} ومضى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشاور أصحابه ويستنطق آرائَهم، ويؤكد لهم أنهم مشاركون في اتخاذ القرار، فهو يخصهم أيضًا، ويتأثرون به سلبًا وإيجابًا، ثم إن من شاور الناس شاركهم في عقولهم، وعقول تفكر ثم تقرر، خيرٌ من عقل يفكر ثم يُدمِّر.
ولستُ هنا بصدد ذكر الحالات التي استشار فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في صغير الأمور وكبيرها، والخاصة منها والعامة، غير أني هنا أتكلم عن أمرٍ مهم وهو: صحيح أنه من حق القاعدة أن تشارك القيادة في اتخاذ القرارات -وخاصة المصيرية- ومن واجب القيادة أن تستشير القاعدة، لتتأكد من حملهم لِلهَمِّ ومشاركتهم للمغنم والمغرم، ولكن:


هل مطلوب من القيادة أن تستشير القاعدة في كل شيء؟ في كل صغيرة وكبيرة؟ في كل شاردة وواردة؟ في الحرب والسلم؟ ثم أليس من حق القيادة أن تتخذ قرارات دون الرجوع إلى القاعدة، لتحقيق مصلحة أو درأ مفسدة؟ والأهم: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه من بعده، هل كانوا يستشيرون الرعية في صغير الأمور وكبيرها، في الحرب والسلم، بل وهل كانت الرعية تطالب القيادة ألا يقطعوا أمرًا دون معرفتهم، ودون استشارهم؟


نعم، كان النبي –صلى الله عليه وسلم– يُكثِر مِن مُشاورة أصحابه، في قضايا الحروب والسِّلْم؛ رغم أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يحتاج لرأيهم؛ لأنه كان مؤيدًا بالوحي من عند الله تعالى، لكنه كان يستشير أصحابه؛ ليعلمهم الشورى في حياتهم، حتَّى قال أبو هريرة –رضي الله عنه-: “ما رأيت أحدًا أكثر مُشاورةً لأصحابه مِن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-. (صحيح ابن حبان 217/11).


ومع هذه المشورة الواسعة لأصحابه -صلى الله عليه وسلم- غير أنه في بعض المواضع كان رسول الله يخص بالشورى فئة -خاصة- من أصحابه، كما في غزوة بدر حين استشار أبا بكر وعمر في شأن الأسرى، ففي صحيح مسلم -لما أسروا الأسارى- قال رسول الله لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى” أخرجه مسلم (1763)، كما خصَّ بالشورى السَّعدين (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) يوم الخندق، حين أراد أن يعطي قادة غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا ويتركوا الحصار: “فلمَّا أراد رسول الله أن يفعل، بعثَ إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه” دلائل النبوة للبيهقي (1341).


ومعروف في تاريخنا الإسلامي مصطلح “أهل الحل والعقد”، وهؤلاء خلَّص أهل الشورى، الذين ارتضاهم الناس مقدمين عليهم، ذلك لفضلهم ولمنزلتهم وعطائهم، وهؤلاء يتولَّون إبداء الرأي وإسداء النصح، لهذا القائد أو ذاك، والواجب أن يكون هؤلاء على قدرٍ من المسؤولية، بحيث لا يهابون النصح ولا يخافون منه، ينصحون لله ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم، ثم يتخذ القرار دون دكتاتورية متقمصة، أو عصمة مزعومة، فالقرار اليوم في هذه الحياة ما عاد شخصيًّا، فرديًّا، وإنما شوريًّا جماعيًّا، ومن قديم قالوا: رأي الجماعةِ لا تَشقَى البلادُ بِهِ ورأيُ الفردِ يُشقيهَا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى