تربوياتمجتمع وناس

مراهقنا يختلف عن مراهقهم

كتب د. جاسم المطوع خبير تربوي و أسري

حددت الثقافة الغربية سن المراهقة من العمر 14 سنة الى العمر 23 سنة تقريبا وتكلمت كثيرا عن هذه الفترة وعن التغيرات الهرمونية والجسدية فيها وعن تقلب المزاج والاضطراب والقلق والتمرد وحب الاستكشاف والميل الى الجنس الآخر والرغبة بالحرية والجنوح بالخيال والرغبة بالتحدي والميل الى اللهو واللعب وغير ذلك، وسنت لهذه المرحلة العمرية قوانين مخففة بحيث يتعامل القضاء مع المراهق على انه نصف راشد، ولم تكتف بذلك بل وجهت الادباء والمنتجين الى كتابة الروايات التي تخاطب هذه المرحلة العمرية والى انتاج الافلام المتعلقة بهم، وصارت عبارة (هذه هي المراهقة) تبرر لسوء تصرفاتهم وكأن الموضوع عادي وأن الأصل أن ينحرف المراهق ويرتكب الأخطاء.


هذا التقسيم العمري الغربي يختلف عن تقسيمنا الإسلامي للعمر، فالقرآن الكريم فصل لنا المراحل العمرية وذكر لنا قصص للمراهقين، فالإنسان يمر بمرحلة الضعف والقوة بثلاث مراحل، قال تعالي (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة)، فمرحلة الضعف الأولى وتتضمن الرضاع واللعب والنشاط والتعلم بمرحلة الطفولة إلى سن العاشرة، والمرحلة الثانية هي مرحلة القوة وتتضمن البلوغ من سن 10 إلى 14 ومرحلة البلوغ الأشد من 14 إلى 20، وقد ذكر القرآن مرحلة الأشد (وأما الجدار فكان لغلامين يتمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) ثم مرحلة الإستواء وهي من 20 إلى 30 (فلما بلغ أشده وأستوى آتيناه حكما وعلما) ثم مرحلة النضوج وهي من 30 إلى 40 وتبلغ ذروتها إلى 60 ومرحلة الضعف الثانية وهي تتضمن مرحلة الشيخوخة الصغرى وهي تبدأ من 60 ثم مرحلة الشيخوخة الكبرى (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا) ثم مرحلة أرذل العمر (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر).


ومن هذا الإستعراض القرآني لمراحل عمر الإنسان يتبين لنا أن مرحلة المراهقة من عمر 10 إلى البلوغ فقد تكون سنتين أو ثلاثة ، يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله في كتابه تحفة المودود في أحكام المولود (ثم بعد العشر الى سن البلوغ يسمى مراهقا ومناهزا للاحتلام، فإذا بلغ خمس عشرة سنة عرض له حال آخر) فالإسلام لا يتعامل مع المراهق على أنه معذور في كل ما يرتكبه من أخطاء بل هو مسؤول ومحاسب، والقرآن ذكر لنا قصصا كثيرة لهذه المرحلة العمرية من الأنبياء والصالحين تصلح أن تكون مادة لتربية المراهقين على تحمل المسؤولية وحمل أمانة السماوات والأرض.

فالقصة الأولى إبراهيم عليه السلام لما كسر الأصنام، والثانية إسماعيل عليه السلام وطاعته لوالده في قصة الذبح، والثالثة يوسف عليه السلام وضبط شهوته أمام امرأة العزيز، والرابعة فتية أهل الكهف الذين تركوا قصورهم وخرجوا يفرون بإيمانهم من بطش الكفار، والخامسة قصة أصحاب الأخدود والغلام الذي افتدى بنفسه ليؤمن أهل القرية كلهم، والسادسة مريم عليها السلام ومواجتها للملك عندما جاءها ومواجتها كذلك لقومها بعدما رزقت بعيسى عليه السلام، والسابعة أخت موسى عليه السلام وكيف تصرفت بذكاء لجمع شمل الأم بولدها، والثامنة الفتيان الذين دخلا السجن مع يوسف عليه السلام وصلحا على يديه.

فالمراهق إن صحت التسمية هو الشجاع صاحب الحجة والبرهان والصابر والمحتسب والناشر للخير والذي يرفض الإنحراف وايذاء الناس والحريص على إيمانه وقربه من الله والحريص على أهله وخدمة أقربائه والذي يتحمل المسؤولية ويعتمد عليه، فهذا هو المراهق بالمفهوم القرآني والإسلامي والذي يختلف تماما عن نظرة الثقافة الغربية لهذه المرحلة العمرية فمراهقنا يختلف عن مراهقهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى