دين ودنيا

“مَن لَم يَعتَبِر فَلا أجِدُ لَهُ وَصفًا”

كتب الدكتور: وائل الزرد داعية إسلامي


من لم يتعلم مما يمر به هو أو غيره، فلا أجد له وصفًا يليق به، لأنني لو قلت: مَن لم يتعلم فهو حيوان، أكون قد ظلمت الحيوانات وجانبت الصواب، فما نراه في عالم الحيوان، يثبت أن الحيوانات تتعلم مما تمر به، بل وتتعلم مما يمر به غيرُها، فتتجنب ما فيه شر وضرر، وتفعل ما فيه خير ومصلحة، وهذا مشاهد عبر الصوت والصورة، في هذه الأيام.


والإنسان مهما علا شأنه، يولد ناقصًا كثيرًا من الخبرات والمعلومات، ومع الأيام -كونه إنسانًا عاقلًا- يستفيد مما يمر به من التجارب -هو أو غيره- وبهذا يتجنب بعض الأمور التي كان يفعلها، لأنها لم تجلب له الخير أو أخَّرته، ويتجنب أمورًا أخرى جلبت له شرًّا أو أخَّرت عنه خيرًا.


وليس عيبًا أن يترك الإنسان العاقل أمرًا كان بالأمس يفعله، أو يفعل أمرًا كان بالأمس ينكره، فلسنا هنا نتكلم عن قطعيات الدين والعقل، وإنما كلامنا عما يخضع لتقدير المصالح والمفاسد، ولما يُوزن بالسلبيات والإيجابيات، فالإنسان العاقل يرغب في فعل ما فيه الخير الأكمل، ويسعى لاجتناب الشر من كل جانب -ما استطاع إلى ذلك سبيلًا- ولكن لأن الإنسان إنسانًا، وليس ملكًا كريمًا ولا نبيًّا معصومًا، فهو يخطئ ويصيب، ويُذنب ويُحسن، ويعصي ويطيع، ومع التعلم من التجارب والاستفادة من تراكم الخبرات، يقل خطؤُه ويكثر صوابُه، وتنحسر معصيتُه وتزداد طاعتُه.


أما الذي لا يتعلم من خطئه، ولا يستفيد من تجاربه، ولا يعتبر بماضي مواقفه، ولا يتعظ بعثراته ولا عثرات غيره، فهذا أقل ما يمكن أن يقال فيه بأنه: {شَقِيّ} فقديمًا قالوا: [السعيدُ من وُعِظ بغيره، والشقيُّ من لم يتعظ بنفسه]، والاستفادة من التجارب الشخصية ومن أحداث الآخرين، ليس عيبًا ولا منقصة، فإن بني آدم شركاء في المعرفة، يستفيد الآخر من الأول، ويتعظ اللاحق بالسابق، وفي القرآن الكريم، نجد أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه محمدًا أن يتبع النبي الكريم إبراهيم، مقلدًا إياه في الخير، متأسيًّا به في مجابهة الظلمة وقوة الصدع بالحق فقال له {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وكذلك وجدنا في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يتبع نبي الله يونس -عليه السلام- مستفيدًا من التجربة الدعوية التي مرَّ بها هذا النبي الكريم فقال له: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}.


وفي كثير من الآيات أمرنا الله أن نعتبر بما حلَّ بمن سبقنا من الأمم، وأن نتعظ بما وقع لهم، وألا نكرر تجاربهم السيئة، وأن نتجنب سلوك سبيلهم المعوج، حتى لا تكون نهايتُنا هي نهايتهم، {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وقال {إن في ذلك لذكرى لأولى الألباب}…
نسأل الله أن يلهمنا رشدنَا، وأن يبصرنا بأمرنا، وأن يهدينا سواء السبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى