دين ودنيا

السَّلْبِيَّةُ لا تَليقُ بِنا…

كتب الدكتور :وائل الزرد داعية إسلامي

الدكتور :وائل الزرد

يعيش كثيرٌ من المسلمين حياة اللامبالاة، فلا يأمرون بمعروف يفتقدونه، ولا ينهون عن منكر يرونه، وإنما يسيرون حسبما تيسر -مثلما يقولون- حتى إنَّ بعضهم يبلغ به السَّلْبِيَّة أن يرى مصيبة ستقع، ولو تكلم لأمسك الظالم ولنجا المظلوم، ومع ذلك يقول: [صباح الخير يا جاري، انت في حالك وأنا في حالي] ظنًّا منه أن الأمر لا يعنيه ما دام الأمر لا يختص به، وما دام الأمر كذلك إذًا فلتحرق الدنيا ولكن: ليسلم بيتي، وبيتي فقط.


هذه السَّلْبِيَّة المقيتة البغيضة، جاء الإسلام برفضها وعدم إقرارها، وأمر المسلمين بأن يكونوا إيجابيين، فإن رأوا منكرًا نهَوا عنه، وإن افتقدوا معروفًا أمروا به، وكلفهم بأن يسلكوا .


1 . الاستجابة لأمر الله

فالذي أمر بممارسة التغير هو الله رب العالمين، والذي كلَّف بالأمر والنهي هو الله رب العالمين، بل والذي نهي عن السَّلْبِيَّة والكسل واليأس، هو الله رب العالمين، فنحنُ الأمة المسلمة أصبحنا خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس لأنَّ من أبرز وصفنا {تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَر} أما الذي ينأى بنفسه عن الدخول في معترك الأمر والنهي، فهو شخصٌ أناني، لا علاقة له بمجتمعه الذي يعيش فيه، ولا بالأمة التي ينتمي لها، بل إن بعضًا من هؤلاء السلبيين، تجدهم يقفون في وجه الدعاة المحاولين للتغير، لا ليشجعوهم وإنما ليثنوهم عن مباشرة الدعوة والتبليغ، فيقولون {لمَ تَعظُونَ قومًا الله مُهلكُهم أو مُعذبُهم عذابًا شَديدًا} ؟!


ولقد تعددت الأوامر من الله لعباده المؤمنين، بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرضية الدعوة إلى الخير، وكانت هذه الأوامر جماعية، وفردية، وتحريضًا على التأسي، وتخويفًا من عدم الامتثال، ففي وجوب الأمر والنهي قال { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وفي فرضية الدعوة إلى الخير قال {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ وَٱعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وبالصياغة الجماعية قال {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وفي الصيغة الفردية قال {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ} وفي التحريض على التأسي بالمغيرين قال {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ} وفي التخويف من عدم الامتثال قال {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}.


2 . إبراءً للذِّمَّة

إن من أعظم الأسباب التي تدفعنا نحو خوض معركة التغير، هو إبراءُ ذمَّتنا أمام الله أولًا، ثم أمام الخلق ثانيًا، فإن السَّلْبِيَّة لا تتناسب أبدًا مع من يريد أن تبرأ ذمتُه أمام الله، إننا حين ندخل في معترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما نرجو نجاتنا في المقام الأول، فإن الله تعالى في القرآن أخبرنا بنجاة الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، حين نزول العذاب العام، ففي سورة الأعراف، بعد أن قصة الله علينا قصة الذين اعتدوا في السبت، قال سبحانه {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَـِٔيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ}.
نعم، إننا حين نُجافي السَّلْبِيَّة، ونرفض الاعتزالية، ونتجاوز عقبات الواقع، ونتكبر على أمواج اليأس والإحباط، وندلف إلى مسلك الدعوة إلى الله والخير، إنما نُريد أن نُعذر بين يدي الله -قبل كل شيء- فحين بدأ الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، بمزاولة عملية التغير والإصلاح لمن شذَّ عن طريق الخير، من أصحاب السبت، قال لهم بعض الناس: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} قالوا لهم على الفور: {مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.


3 . محاولةً للإصلاح

إنَّ السَّلْبِيَّة لا تناسبنا نحن كدعاة، لأنها باختصار تعتني أننا يأسنا من كل محاولات الإصلاح والتغير، وأنه ما عاد هناك جدوى من أمر أو نهي، وأنه [ليس أمامنا إلا أن ننتظر الموت أو المهدي المنتظر، فأهٍ لو يجدي الكلام .. ماتت الأمةُ والسلام] هذا بكل بساطة ما يقوله السَّلبِيُّ اليَائِسُ المُحبَطُ، أما الذين عقدوا بيعتَهم مع الله، والذين قرروا أن يسيروا خلف خطى الأنبياء، والذين أخذوا على عاتقهم بعث الأمة من جديد، والذين تعاهدوا على دعوة الخلق إلى الخالق، محاولين الإصلاح ما استطاعوا، فهؤلاء لا تعرفُ السَّلْبِيَّة لقلوبهم سبيلًا، ولا تجد السَّلْبِيَّة لعقولهم طريقًا، ولا تهتدي السَّلْبِيَّة لإيمانهم فتنقضه، ولا ليقينهم فتوهنه، ولا لوعيهم وفكرهم فتفسده…


إنَّ إنكارنا ل السَّلْبِيَّة وتنكبنا لطريقها، يعني أننا على جادة الصواب، وأننا نسير على نهج قويم، فليس علينا هداية البشر، ولسنا مُكلفين بإرغام الناس على قبول عقيدتنا، ولا مأمورين بإكراه الناس على اعتقاد مبادئنا، وإنما هي المحاولة لا غير، فالله -سبحانه وتعالى- أمر الأنبياء بدعوة أقوامهم إليه، وما كلفهم بهدايتهم، وختام الأنبياء عليهم السلام، محمد -صلى الله عليه وسلم- في أكثر من آية يخبره الله أنه مُبلِّغ وليس هاديًا، وأنه مُنذِرٌ وليس مُكرهًا، وأنه نذٍيرٌ وليس مُرغمًا، وفي ختام قصة موت أبي طالب على ما مات عليه قال الله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- {إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}سلك التغير تحقيقًا لأمور كثيرة منها:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى