دين ودنيا

راحِلةٌ وَاحِدَة

الدكتور: وائل الزرد داعية إسلامي


لن يكون الناسُ كلهم كأبي بكرٍ أو عمر، فالناس مختلفون هكذا خلقهم الله، بين متقدم ومتأخر، وهمَّام حارث وبطَّال خمول، ومقدام شجاع وخائف جبان، وكريم جواد وبخيل شحيح، هكذا هم الناس منذ أن خلق الله الخلق إلى يومنا هذا، إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها.


وسنة اختلاف وتفاوت وتفاضل الناس سنة ماضية منذ بداية الخليقة، حتى في الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام جميعًا- غير أنَّ الله فضَّل بعضَهم على بعض، كما أخبرنا الله في القرآن قائلًا {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} وقال {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّۦنَ عَلَىٰ بَعْضٍۢ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا} هذا مع الاحتفاظ بمكانة كل نبي ورسول، ووجوب الإيمان بهم جميعًا، دون أن نُفرق بين أحدٍ منهم بالإيمان الكامل، بنبوتهم ورسالتهم -عليهم السلام جميعًا-.


فأكرمُ الخلق عند الله: الأنبياء، وأكرم الأنبياء: الرسل، وأكرم الرسل: أولو العزم منهم، وأكرم أولي العزم: خمستُهم، وأكرم الخمسة من أولي العزم هو: نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم.


وكذا أصحاب نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا على درجة واحدة، ففيهم المقدم ومنهم المؤخر، وفيهم المهاجر ومنهم الأنصاري، وفيهم من أسلم قبل الفتح وقاتل، ومنهم من أسلم بعد الفتح وربما قاتل، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، والخلفاء الأربعة، وأصحاب بدر، وأصحاب البيعة، وكل هؤلاء من الرواحل الغوالي، الذين سبقتهم أفعالُهم وخلَّدتهم أعمالُهم، ولكن.


من المعلوم عند كتًَّاب التاريخ والسِّير أنَّ الصحابة الذين تُوفي عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتجاوز عددهم 124.000 ولكن العجيب حين أراد الإمام ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- أن يترجم للصحابة -رضي الله عنهم- لم يستطع أن يترجم إلا ل 12.446 من الصحابة! فأين ذهب العدد الباقي، وعددهم ليس قليلًا، بل هو الأكثر، أقول: فإن تعجب فالعجب يزداد حين نقول: إن معظم هؤلاء الصحابة الذين ترجم لهم الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه الأضخم [الإصابة في تميز الصحابة] معظم هؤلاء لا نعرفهم ولا ندري كثيرًا ولا قليلًا عن سيرهم، بل ولم يتميز من هؤلاء الكرام بالعطاء، والبذل، والإقدام، والسابقة للإسلام، والإنفاق والجهاد والعمل الصالح إلا قلة قليلة منهم، وهم أخلق مَن أُطلق عليه #الرواحل.


إن الذين بقيت أخبارهم، وذاع صيتهم، وانتشرت أسماؤهم، هم قلةٌ من أصحاب الهمم العالية، والعزائم الصادقة، والإرادة القوية، هم قلةٌ من الذين كانوا يسبحون ضد الموج ويعاكسون التيار، هم قلةٌ من الذين كانوا يقبضون على الجمر ويحفرون في الصخر، هم قلةٌ من الذين كانت صهوة الجياد فراشهم، وكنانة السهام مهادهم، ومقبض الرمح والسيف وسادتهم، هم قلةٌ الذين كانوا لا يُزاحمون على الصف الأول في الصلاة لأنهم أهله، ولا يُنافسون على حمل الراية لأنها خليقةٌ بهم، ولا يُسابقون أحدًا في التضحية والفداء لأنهم دومًا في المقدمة، إنَّهُم الرَّوَاحِل .


روى البخاري (6498) من حديثِ عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً ) إنَّ أكثر النَّاسِ أَهْلُ نَقْصٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَضْلِ فَعَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاحِلَةِ فِي الْإِبِل الحمولة، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رحمه الله-: “الَّذِي يُنَاسِبُ التَّمْثِيلَ: أَنَّ الرَّجُلَ الْجَوَادَ الَّذِي يَحْمِلُ أَثْقَالَ النَّاسِ، وَالْحَمَالَاتِ عَنْهُمْ، وَيَكْشِفُ كُرَبَهُمْ: عَزِيزُ الْوُجُودِ، كالراحلة فِي الْإِبِل الْكَثِيرَة.


هؤلاء الرَّوَاحِل هم الذين نحتاجهم اليوم، الذين يَحملون ولا يُحملون، يتقدمون ميادين الدعوة والجهاد ولو لم يُذكروا، يبذلون من خالص وقتهم وجهدهم ولو لم يُشكروا، همَّتُهم عالية، وعزيمتُهم صادقة، وإرادتُهم قوية، يثبتون على الحق كالصِّدِّيقِ أبي بكر في محاربة المرتدين، ويُقرونَ العدلَ في وجه المطففين كالفاروق عمر، ويسابقون الزمن في جمع القرآن قطعًا لدابرِ فتنةٍ قاتلة، ويسعَون لجمع كلمة الأمة ولو كلفهم ذلك الدم كأبي الحسن علي، رضي الله عن الجميع…
إنهم الرَّوَاحِل، الذين نتطلع لوجود أمثالهم في حياتنا اليوم، ونتشوف لوجودهم بيننا، فاللهم أكثر من وجودهم، ومتعنا بصحبتهم، وأكرمنا بالسير في ركابهم، واجعلنا منهم يا رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى