دين ودنيا

قَرَّرَ أنْ يُطْفِئَ نُورَ الشَّمْسِ

كتب : د.وائل الزرد داعية إسلامي

دعاني بعضُ الشباب لإعطاء درس في مسجدٍ بعيد، لا يقصده إلا قليل من الناس، والمسجد لا يأتيه الدعاة وذلك لأن المسجد أصبح معروفًا بأنه لا يجلس للمُتحدث من المصلين أحد، لا الإمام، ولا المؤذن، والا المصلون، وبمجرد ما يقوم أحد الإخوة ليتكلم، يبدأ المصلون بالتسلل واحدًا بعد الآخر، حتى يجد الشيخ نفسه في المسجد وحيدًا…

والأههم في كل ذلك أنني لا أدري هذا الخبر، وبينما أنا أسير مع الشباب في السيارة إذ سمعت السائق يتحدث بصوت خافتٍ مع الشباب بجانبه، وهما يُداريان الكلام عني ولكنهما يرغبان من طرفٍ خفي أن أسمع ما يتكلمان به، فقلت لهم بعد أن انتبهت: وكأنكما تريدان أن توصلا لي شيئًا من كلامكما؟ قال أحدهما: نعم، قلت: خيرًا تفضل، فقال: مشكلة هذا المسجد أنه إذا وقف أي أحد ليعطي درسًا لا يبقى في المسجد أحد، ابتداءً بالإمام وانتهاءً بالمصلين!

فقلت: طيب ما دام أن الأمر على هذا الشكل، إذن فلماذا دعوتموني؟ قال: والله لا أدري غير أني وجدتُ في الجدول اسم المسجد فقط، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بأس نصلي العشاء ثم ننصرف مأجورين بإذن الله، ولكن أثناء سير السيارة وقبل أن نقترب من المسجد جاء في خاطري فكرة لابقاء الناس، ولكن يلزمها أن أقف إمامًا، فقلت للشباب: ما رأيكم أن تطلبوا من إمام المسجد أن أقف إمامًا؟ فقالا لي: مستحيل أن يوافق! فقلت: حاولا وسندعوا الله بالخير.

وكان مقصدي من وراء إمامتي في الناس، أن الناس حين يسمعون لإمام صوته جميل، يحبون أن يرَوا وجهه بعد الصلاة، وهذه اللحظات هي التي سأنتهزها للحديث معهم بطرف قصة -خطرت لي أول مرة- ستجعلهم يبقون في انتظار تمامها، ولا أدري -والله- كيف وصلتني هذه الفكرة!

المهم: أقنع الشبابُ حضرةَ إمام المسجد -بعد جهدٍ- أن أقف إمامًا، وطلب منهم ألا أطيل في الصلاة طبعًا، وأقيمت الصلاة ووقفتُ إمامًا وحبَّرتُ -جمَّلتُ- صوتي ليتحقق لي ما أريد من إبقاء الناس بعد الصلاة، ثم النظر فيمن هذا الإمام، ثم لأقوم بما خطر لي من فعل.

وانتهيتُ من الصلاة والحمد لله، ثم وقفتُ مسرعًا دون أن يقف واحدٌ من المصلين وقلت لهم:
بينما خمسةٌ من الشباب يسيرون في شارع عمر المختار في مدينة غزة، إذ وصلوا إلى ميدان غزة المعروف باسم (الساحة)، فنظر واحدٌ منهم يمينَه فرأى شابًّا، على شفا عمارة عالية، واقفًا ينفخ نحو الشمس، فانسل من بين أصحابه وصعد على درج العمارة ليصل للشاب ويسأله عما يفعل، طبعًا والمصلون في المسجد واجمون يترقبون الحدث، وإلى أين سينتهي الأمر!

قلت: وصل الشاب إلى أعلى العمارة، ونظر إلى مَن يقف على شفا العمارة من علٍ، ورآه وهو ينفخ نحو الشمس، فساله قائلًا: ما تصنع؟ قال: لقد عزمتُ اليوم على أمرٍ لا يقوى عليه غيري، قال: وما هو؟ فقال: لقد عزمت اليوم على أن أطفئ نورَ الشمس بفمي! فقال له ساعتها: انفخ وما نفخُ مثلك إلا في ضلال.

وساعتها سكتُّ قليلًا ثم قلتُ للمصلين: “والله ثم والله، لو استطاع هذا المجنونُ أن يُطفئ نورَ الشمس بفمِه، فلن يستطيعَ أهلُ الأرض جميعًا -ولو اجتمعوا- أن يُطفئوا نورَ الله” لأنه هو القائل -سبحانه- {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

فَاطْمَئنُّوا أَيُّها المُسلِمُون، وَاستَبشِرُوا خَيرًا، وَطِيبُوا نَفْسًا، وقَرُّوا عَينًا، فَوَالله إنَّكُم لَمُنتَصِرُون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى